وهبة الزحيلي
17
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ومهر الحرّة يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة ، فلكلّ شخص وبيئة ما يناسبهما عرفا ، فقد يقدر الرجل على مهر الحرّة ، ولكن النساء تنفر منه لسوء خلقه أو خلقه ، وقد يعجز عن القيام بحقوق الحرّة من النفقة والمساواة بينها وبين غيرها ، وليس للأمة مثل هذه الحقوق . وقدّر الحنفية المهر بربع دينار ( ثلاثة دراهم ) ، وقال بعضهم : عشرة دراهم . ولا أجد لهذا التحديد مستندا في الأدلة الشرعية ، وإنما الثابت في السّنة أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمن يريد الزواج : « التمس ولو خاتما من حديد » « 1 » . وتزوّج بعض الصحابة على تعليم امرأته شيئا من القرآن . وإنما اشترط التشرع هذه الشروط في نكاح الإماء تفاديا لما يشتمل عليه من أضرار ، أهمها صيرورة الولد رقيقا ؛ لأن الولد يتبع الأم في الرّق والحرية ، لذا قال اللّه تعالى في آخر الآية : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ . وذهب أبو حنيفة إلى جواز نكاح الأمة لمن لم يكن عنده حرّة ، سواء أكان واجدا مهر الحرّة أم لا ، وسواء أخشي العنت أم لا ، وسواء أكانت الأمة مسلمة أم لا ، عملا بالعمومات الكثيرة ، كقوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء 4 / 3 ] ، وقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [ النور 24 / 32 ] ، وقوله : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [ النساء 4 / 24 ] ، وقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ المائدة 5 / 5 ] ، وجميع ذلك يتناول الإماء والكتابيّات . ولم يشرط فيه عدم الطّول ولا خوف العنت ، وهذه الآية لا تصلح لتخصيص العمومات السابقة ؛ لأنها أولا تدلّ على الشروط بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة ، وهما ليسا بحجة عند أبي حنيفة رحمه اللّه . وثانيا على تقدير الحجية يكون
--> ( 1 ) متفق عليه بين أحمد والشيخين عن سهل بن سعد .